محلل مالي ومؤسس منصة "خارج الصندوق"
بعيداً عن العناوين الرسمية وصخب الأخبار، موافقة الجهات الرقابية على إدراج (أمواج الدولية) في سوق العراق للأوراق المالية ليس مجرد خبر عابر، بل محطة مهمة تستحق أن نقف عندها قليلاً. بصراحة، قطاع التطوير العقاري هو المحرك الخفي للسيولة في أي اقتصاد، ودخول لاعب بهذا الوزن سيغير حتماً من شكل التداولات وحركة المحافظ الاستثمارية في الفترة القادمة.
لو أردنا تقييم الموضوع بواقعية، نحن هنا لا نتحدث عن مجرد تقييمات دفترية على الورق؛ بل عن أصول تشغيلية ضخمة ومشاريع حقيقية على الأرض. نتحدث عن مطور أدار وطوّر أكثر من مليون متر مربع، ويمتلك مشاريع قائمة ومألوفة للجميع مثل (بوابة العراق) و(داون تاون البصرة) و(بارك فيو).
وعندما نضع في الاعتبار خطط الشركة لتطوير ١٠٠ ألف وحدة سكنية، فهذه رسالة طمأنة واضحة للمستثمر بأن هذا السهم مسنود بتدفقات نقدية حقيقية وعمل ملموس.
من ناحية هيكلة السوق، وهذا الجانب الأهم بالنسبة لنا كمستثمرين.. أسواقنا تعاني أحياناً من استحواذ قطاعات معينة، كالمصارف أو الاتصالات، على حصة الأسد من السيولة. دخول سهم عقاري ثقيل سيكسر هذا التركز، وسيوفر للمستثمرين مساحة ممتازة لتنويع مراكزهم المالية وتوزيع المخاطر، وهو ما يدعم بطبيعة الحال استقرار المؤشر العام.
إضافة إلى ذلك، الانعكاس الإيجابي الأبرز لمرحلة ما بعد الإدراج هو (الشفافية). تحول الشركة للتداول العام يعني خضوعها لرقابة الهيئة والتزامها التام بنشر قوائمها المالية ونتائج أعمالها الربعية. هذه الأرقام والبيانات المدققة هي المادة الدسمة التي ننتظرها كمحللين لبناء نماذجنا وتحديد السعر العادل للسهم، مما يضيق الخناق على مساحة المضاربات العشوائية.
ولكن، لكي نكون موضوعيين في قراءتنا، يجب تقييم هذا الطرح ضمن بيئة الأعمال الحالية التي تفرض تحديات لا يستهان بها على القطاع العقاري بأسره. ويمكن تلخيص هذه المخاطر في مسارات عديده نلخص منها هنا الأهم .
الضغوط الكلية والجيوسياسية خصوصاً وان توقيت الإدراج يتزامن مع حالة عدم يقين إقليمي مرتفعة. أي تصعيد أو خلل في الممرات الملاحية الاستراتيجية سينعكس فوراً على سلاسل الإمداد، مما يعني تضخماً مباشراً في تكاليف استيراد مواد البناء. يترافق ذلك مع ضغوط نقدية محلية تتمثل في تذبذب قيمة العملة، واستمرار معدلات الفائدة عند مستويات تخلق ضغطاً مزدوجاً ، فهي ترفع تكلفة التمويل على المطور من جهة، وتحد من قدرة المستهلك النهائي على الاقتراض لشراء الوحدات من جهة أخرى.
التحديات القانونية وملكية الأراضي الوضع القانوني للمبيعات يمثل عقدة جوهرية؛ فآلية التعاقد الحالية تعتمد على عقود أولية مباشرة بين المطور والمشتري، في ظل غياب "سندات الطابو" المستقلة لكل وحدة. يعود هذا الغموض إلى كون الأراضي المشيد عليها تابعة للدولة، ولم تُحسم حتى الآن الآليات النهائية لنقل ملكيتها. هذه النقطة بالتحديد تمثل "علاوة مخاطرة" ستبحث المحافظ الاستثمارية عن تسعيرها عند تقييم أصول الشركة.
البيئة التنظيمية ومخاطر العقود المستقبلية فاستدامة نمو أي مطور عقاري ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرته على تأمين مساحات وتراخيص استثمارية جديدة. التساؤل الجوهري هنا يدور حول فرص الشركة في الحصول على عقود استثمارية لمشاريع مستقبلية في ظل السياسات والتوجهات الخاصة بالحكومة الحالية. أي تغيير في آليات منح الأراضي التابعة للدولة، أو تعقيدات إضافية في بيئة منح الإجازات الاستثمارية، قد يحد من مرونة الشركة في توسيع محفظتها العقارية، مما يجعل استدامة الإيرادات على المدى الطويل شديدة الحساسية للقرارات السياسية والتنظيمية.
تحديات البنية التحتية وتأمين الطاقة المجمعات السكنية الضخمة التي يتم تطويرها هي أشبه بمدن مصغرة تتطلب استهلاكاً هائلاً للطاقة والمياه والخدمات. في ظل تذبذب كفاءة الشبكة الوطنية للكهرباء والمياه، يبرز تحدٍ كبير أمام المطور لتأمين هذه الخدمات الأساسية لضمان استدامة المشاريع ، الاعتماد المفرط على البنية التحتية الحكومية يحمل مخاطر تشغيلية عالية، في حين أن لجوء الشركة لتأسيس محطات طاقة مستقلة أو شبكات خدمات خاصة سيشكل نفقات رأسمالية إضافية تضغط بشكل مباشر على هوامش الربحية للشركة.
في النهاية، الأنظار الآن تتجه نحو إدارة السوق بانتظار التعليمات التنفيذية لتحديد موعد أول جلسة تداول وآلية احتساب السعر التأشيري. الأيام الأولى ستكون بمثابة (البوصلة) الحقيقية لشهية المستثمرين، وسنرى من خلالها كيف ستستوعب المحافظ هذا الوافد الجديد وسط هذه المعطيات المتشابكة والأجواء المتقلبة .
السيولة وتحولات الحوكمة: قراءة في خصوصية هيكل سوق العراق للأوراق المالية
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي